التذوق والنقد

By hmoud

water-lilies1

د.حاتم الصكَر

تمثل اختيارات الشعراء مؤشرا على صلتهم بالنصوص التي يطالعونها وأحكاماً نقدية أيضا، لأن الاختيار فاعلية ثقافية و نشاط نقدي قد لا يعلن مبرراته أحيانا، لكنه -أي نشاط الاختيار- يوحي بها لأنه وجه من وجوه النقد بكونه تمييزاً لنصٍ ما أو حُكماً عليه ضمنيا، لأن الوقوف عنده دون سواه يحمل في طياته دلالات التطابق مع ملفوظه ودلالاته، إما من جانب من الجوانب الفنية المتصلة بالأداء و بالشكل، أو من جانب أفكاره ورؤاه وتصوراته وما يتصل بمضمونه.
ولقد شكّل الاختيار وصنع المختارات مظهرا من مظاهر حيوية النقد الأدبي العربي سواء قام بالاختيار علماء أو شعراء، وهو تقليد يأخذ أهميته في التأليف ويحظى بعناية الكتّاب والقراء على السواء ،كما أنه واحد من أبرز وجوه النشاط النقدي الموروثة التي لم تستمر في الثقافة العربية إلا بعد أن أحياها النقد العربي المتصل بالثقافة الغربية في الفترة التالية للنهضة الأدبية أي تلك الفترة التي شهدت التجديد والتحديث في منتصف القرن الماضي.
ولكننا نجد للمختارات في الثقافة الغربية تجليات وتنويعات مختلفة كالمختارات الكبرى والصغرى وتلك المتصلة بالعصور أو البلدان أو التيارات الفنية أو النوع أو الغرض..
وفي المختارات الشعرية تظهر للقارئ عدة مشغّلات ومؤثرات تؤشر إلى وعي القائم بالمختارات من جهة، وتكشف دون تسمية أو وصف مفهومه للشعر ونموذجه الذي استقر في وعيه وفهمه للكتابة الشعرية، كما تظهر الجوانب الذوقية والجمالية، ولا سيّما إذا كان القائم بالاختيار شاعرا يعكف على إنجاز مشروعه الشعري مسهما في الحركة الشعرية وجزءا من مشهدها العام.إن الاختيار انتزاع للنص من سياقات عديدة تكونت له خلالها سيرورة وكينونة ودلالة وكذلك تشكلت هويته واكتسب وقعه ودلالته في القراءة الشعرية وداخل النوع الشعري نفسه وفي سياقات زمن إنتاجه ومكانه.
ولكن قراءة المختارات تدخل في باب نقد النقد، ومحاولة فحص أسباب الاختيار ودلالاته ومؤشراته على وعي القائم بالمختارات وذوقه احتكاما على استجابته لنداءات بعض النصوص أو أجزاء منها أحياناً.

http://www.al-jazirah.com/culture/2009/05032009/speuss64.htm

اترك رد