علاج الوحدة والانكماش في معرض ياباني

By hmoud

جدة – حمود الشهراني      الحياة     - 18/11/08//

 

reema-al-hayat112قدّمت الفنانة اليابانية ماريكو موراس في «بيت التشكيليين» في جدة أخيراً مجموعة جديدة من أعمالها بأحجام وألوان مختلفة. المعرض يحمل عنوان: «هدايا» عملت على استخراجها من صندوق ثمين في أعماقها ومسرحتها على قماش اللوحة بألوان الألكريلك الزاهية، في تراكيب لا تفصح كثيراً عن إحالاتها، مجرد خطوط متوازية ومربعات حائرة تضم عوالم لا تصل إليها السلالم العرجاء، وهناك أيضاً في بعض اللوحات كراسي تستريح عليها ملايين الهموم.
ماريكو تمسك جيداً بالفكرة في متواليات حكائية عن التشيؤ، عندما تتحول الكائنات إلى جمادات لا تشعر بوجودها في زمن التسليع المعولم، أنها مغامرة عفوية في التقاط مفردات ساكنة من ركام الواقع، وترميزها في فضاء اللوحة كعناصر تشبه الكائنات في حيويتها وانهماكها بالتفكير والتعبير عن ذواتها، الكرسي لا يعني لماريكو مجرد كرسي، وأنما يعني الانتظار الطويل حد التلاشي، وإذا كان الإنسان لا يستطيع الطيران فإن السلم لا يساعده على الوصول إلى شرف الحبية فقط، بل يرمز إلى السمو والصعود من هاوية الفناء إلى البهجة في عليائها.
كأنها تحاول القول إن الإنسان عندما لا يستطيع تحقيق فردانيته ينتهي به الأمر إلى الذوبان في متاهة القطيع، ومن لا يستمتع بوحدته لا يعرف معنى الحرية، بحسب التعبير النيتشوي.
ويبدو واضحاً أن رسوم ماريكو تشبه كثيراً أعمال جون ميرو، الفنان الاسباني، في مراقبة مظاهر الأشياء أثناء تحولاتها وانتقالها من حالة السكون إلى التوهج، ينتج من ذلك احتمالات متعددة تقترح إعادة تكوين هذه الجمادات، على نحو يجعلها أكثر اختزانا لدلالات وإشارات متناثرة على مساحات اللوحة.
وتستدعي هذه الإشارات تكثيف ما تطمح الرؤيا إلى تدفقه، من تعبيرات تأخذ من ثيمة الحلم عدم وجود جغرافية محددة أو زمن معين، حتى لو بدت هذه التعبيرات أحياناً ضبابية المحتوى فإنها تشع مثل شمس غائمة.
يقول الناقد ألفريد ستيفنيس «الجمالية اليابانية تمتع بشعور مرهف إزاء كل ما هو في ذروة حيويته من الأشياء العابرة، وما هو معبر عنه بدهشة عن طريق الارتجال والعفوية الشعرية، التي ترسم أنهار المطر الذي يبعثر شمل جمع من الناس، والطائر الذي يحط برهة على غصن شجرة ويحركه، ورداء الثلج فوق أغصان نبته، والحمالين الذين يتخلصون من أثقالهم ليتنفسوا، كل هذه لحظات أمكن القبض عليها وهي أشد في إيجازها، وأمكن جعلها محسوسة بمدلولات خاطفة أشبه ما تكون بالعفوية المرتجلة.
كذلك فإن التقنية التي استخدمها الفنان الياباني، تفرض الإحساس الآني بالزمن ورصد المظاهر الخارجية بسرعة خاطفة. لتأتي ضربة الفرشاة الدقيقة موازية لرؤية الموضوع، ومستجيبة لمطالبه وقادرة على اقتناص ومضات الحي الشرقي».
وهذه البساطة التصويرية التي تتسم بها لوحات ماريكو، تعود إلى طريقتها في تأمل الأشياء وتمثيلها من دون تكلف أو تعقيد، حتى تظهر هذه الأشكال كأنها تقدم نفسها للمتلقي من دون عناء.
ومع ذلك، لا تكتفي ماريكو بالوقوف والترحيب بزوار معرضها، بل تشاركهم الحديث عن مضامين لوحاتها حتى آخر يوم من المعرض، عندما وجدتني أتأمل طويلاً لوحتها «منازل طائرة» وأسألها عن الفن الياباني المعاصر. ماريكو حدثتني عن شغفها بالرسم ورغبتها في سرد اللحظات الجميلة، التي تمر بها أثناء اقترابها من حالة التوحد مع الطبيعة، إذ تترك للفرشاة حرية التعبير عن عالمها الداخلي لعلها تمسك بفراشة المعنى الهاربة.
  
 

 

اترك رد